عبد الملك الخركوشي النيسابوري

281

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وعن عبد الواحد بن زيد قال هبطت مرة واديا ، فرأيت رجلا معتزلا للناس مؤثرا للوحدة ، فقلت : ما أشدّ ما يصيبك في موضعك هذا من الوحدة ؟ فقال : ليس في الوحدة شدة ، إنما الوحدة أنس المريدين . وقال رجل لسفيان الثوري : أوصني ، فقال : هذا زمان السكوت ولزوم البيوت . وقال أبو قرة السائح : بينا أطوف في بعض الجبال ، إذ سمعت صوتا من الجبل ، فقلت : إنّ هاهنا لأمرا ، فاتبعت الصوت ، فإذا أنا بهاتف يقول : يا من آنسني بذكره ، وأوحشنى من خلقه ، وكان لي عند مسيري ، ارحم اليوم غربتي ، وهب لي من معرفتك ما أزداد به تقربا إليك ، يا عظيم الصنيعة إلى أوليائه اجعلني اليوم من أوليائك المتقّين ، ثم سمعت صرخة ولم أر أحدا ، فأقبلت نحوها فإذا أنا بشيخ ساقط مغشىّ عليه ، قد بدا بعض جسده ، فغطّيت عليه ، ثم لم أزل عنده حتى أفاق ، قال : فقال : من أنت ؟ قلت : رجل من بني آدم ، قال : إليكم عنّى ، فمنكم هربت ، قال : ثم بكى وقام ، فانطلق وتركني فقلت : رحمك اللّه دلني على الطريق ، فأومأ بيده نحو السماء وقال : هاهنا . وقال بعضهم لإبراهيم بن أدهم : أوصني ، قال : اتخذ اللّه صاحبا ، ودع الناس جانبا . وقال مسلم بن حيّان : ما تلذّذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة اللّه عزّ وجلّ . وقال عبيد اللّه بن عبد الكريم : لا تقرّ عيني إلا إذا خلوت بذكره ، ولا أستريح إلّا وحدى . وقيل لبعض أهل الصفوة : بم تستجلب الأحزان ؟ قال : بالعزلة مع الغربة . وقال رجل لذي النون المصري : متى تصحّ العزلة عن الخلق ؟ قال : إذا قويت على عزلة النفس . وقال طاووس بن كيسان : خير الناس في آخر الزمان ، رجل معتزل يؤدّى حق اللّه تعالى الذي عليه . وقيل لابن المبارك : ما دواء القلب ؟ قال : قلة الملاقاة . وقال الحسن بن صالح : كانوا يتحابون وقلما يتلاقون . وزار هرم بن حيان أويس القرني ، فقال له هرم : صلنا يا أويس ، صلنا بالزيارة واللقاء ، فقال له أويس : قد وصلتك فيما هو أنفع لك من ذلك ، وهو الدعاء في ظهر الغيب ، لأن الزيارة واللقاء تعرض فيهما للتزين والرياء .